القرطبي
154
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الآدميين ، ولا خلق الملائكة ، ولا خلق الطير ، ولا خلق البهائم ، ولا خلق الهوام ، بل هما خلق بديع ، وليس في خلقتهما أنس للناظرين إليهما ، جعلهما اللّه تكرمة للمؤمن يثبته وينصره ، وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحل عليه العذاب . قاله أبو عبد اللّه الترمذي . فصل إن قال قائل : كيف يخاطب الملكان جميع الموتى وهم مختلفو الأماكن متباعدو القبور في الوقت الواحد ، والجسم الواحد ، لا يكون في المكانين في الوقت الواحد ؟ وكيف تنقلب الأعمال أشخاصا وهي في نفسها أعراض ؟ فالجواب عن الأول : ما جرى ذكره في هذا الخبر من عظم جثتيهما فيخاطبان الخلق الكثير الذين في الجهة الواحدة منهم في المرة الواحدة ، مخاطبة واحدة ، يخيل لكل واحد أن المخاطب هو دون سواه . ويكون اللّه يمنع سمعه من مخاطبة الموتى لهما ويسمع هو مخاطبتهما أن لو كانوا معه في قبر واحد ، وقد تقدم أن عذاب القبر يسمعه كل شيء إلّا الثقلين . واللّه سبحانه وتعالى يسمع من يشاء ، وهو على كل شيء قدير . والجواب عن الثاني : أن اللّه يخلق من ثواب الأعمال أشخاصا حسنة وقبيحة ، لا أن العرض نفسه ينقلب جوهرا إذ ليس من قبيل الجواهر . ومثل هذا ما صح في الحديث : « أنه يؤتى بالموت كأنه كبش أملح فيوقف على الصراط فيذبح » « 1 » . ومحال أن ينقلب الموت كبشا لأن الموت عرض ، وإنما المعنى أن اللّه سبحانه يخلق شخصا يسمّيه الموت فيذبح بين الجنة والنار ! وهكذا كلما ورد عليك في هذا الباب ، التأويل فيه ما ذكرت لك ، واللّه سبحانه أعلم . وسيأتي له مزيد بيان إن شاء اللّه تعالى . * * * 51 باب اختلاف الآثار في سعة القبر على المؤمنين بالنسبة إلى أعمالهم جاء في حديث البخاري ومسلم : « أنه يفسح له سبعون ذراعا » وفي الترمذي :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4730 ) ومسلم ( 2849 )